القائمة الرئيسية

الصفحات

مراجعة الأستاذ عمر بن قويدر لرواية فيلوفوبيا

بسبب حيثيات محاطة بعلاقتي بالكاتب فإنني أدرك توجه أستاذنا الفلسفي من خلال مساره في التأليف ، و أعرف تماما لماذا بدأ بهذا النوع من الروايات و يكأنني أراه يحاول تجسيد مسار التاريخ النهضوي العربي في جسد روائي ، بدأنا ياسين بالمشاعر ، في روايته "عشق القصيدة لا يدوم" حاول أن يبلغنا معنى "الحب" مركبا ، و التركيبية من المفاهيم التي يسعى إليها "ياسين الصديق" في نحله و عوائده و نصوصه ، تماما مثلما يحاول الفكر العربي أن يركب نموذجا تفسيريا عن الحماس الثوري المشاعري الذي أصاب الأمة في بدايات حراكها منذ القرن الماضي ، و لا زال في موضوع المشاعر و علاقتها بالعقل و الغير و الحياة الاجتماعية و هذا ما تحاول "فيلوفوبيا" تصديره ، إنني حين أتأمل موقع "فيلوفوبيا" من "عشق القصيدة" أجدها تخدم مسارا تاريخويا يحوم حول المفاهيم ، فإذا كانت بطلة "عشق القصيدة" تبلغنا مفهوما مركبا من طريق الذاكرة ، فإن "فيلوفوبيا" تبلغنا إياه من طريق "الهاجس"  ، إنني أستطيع أن أجزم أن "فيلوفوبيا" تقول لنا : يجب أن تفهموا مشاعركم و تسلطوا عليها ذواتكم كيما تستطيعوا تحقيق انتصاراتكم بوعي و تفهموا عالمكم بوعي ، و تغيروا مستقبلكم الموجود بالقوة فيكم أيضا ، فذلك العالم المتخيل الذي صنعه ياسين لم يكن إلا اسقاطا رمزيا مجازيا يحذرنا به من لا وعينا بحيثيات حياتنا و توجهها نحو مستقبل لا يخدم تطلعاتنا ، إن ثوب العالمية الذي نراه في سنة 2329 م لدليل رمزي على مدى تاثير أخطائنا و جهلنا على صناعة المواقف العالمية المستقبلية ، إن كل عمل تعمله الأفراد و الأمة لا يخدم مسار الاستنارة يؤخر البشرية عن طموحاتها أميالا ، إن هذه الرواية في طبقاتها المخفية تريد أن تعيد الاعتبار "للفهم" على "الأحكام المسبقة" التي تتسلط على معيشتنا الحاضرة و كل قراءة لها تنقب عن معنى مشابه و إن التصقت بها شوائب المسرود . و إذ أعود للمسرود فإنني أحمل ملاحظات تقييمية و نقدية أستقيها من كوني قارئا متذوقا -و إن كان نقد القارئ عند فوج كتابنا الجدد مستصغرا محتقرا -
أعيب على الرواية بعض النقاط التي ربما تنتمي إلى المنهجية ، فإن الرواية في أصلها غطاء من المجاز الزاخم يضمر في قاعه خطابا ثقافيا و فكريا معينا يبلغنا إياه الكاتب و هو في عقله معقد و في قرائتنا له مكتوبا بسيط و شاعري مؤثر ، غير أنني وجدت أن بداية الرواية تحتوي على لغة لا فراغات فيها للقراءات المختلفة ، فكأنها تعبر دائما عن معاناة ياسين الأستاذ في مجتمع شرقي ينتمي للمدرسة الاسكولاتية الاسلامية التي تدين كل ما هو فلسفي ، فلا أحد يمكنه أن يولد المعنى الخلافي من هذه البداية ، ربما سيشعر بالمعاناة لكنه لن يولد إلا معنى واحد فيصير المسرود هو عين المقصود و ليس يتوقف هذا الأسلوب في بداية الرواية أين يحكي لنا ياسين عن معاناته مع مجتمعه و إنما يتكرر في ثنايا الرواية دائما خاصة في استدعاء المقولات و الأفكار الفلسفية و إظهارها في سطح الرواية فهناك أقوال لفلاسفة و مصطلحات فلسفية و كنت أفضل لو أنه أخفاها في القاع و عبر عنها بالمجاز الشاعري الجميل حتى لا يشق على من لا يعرف هذه الافكار فهم معناها فإن تمثلها بالمثال المسرود أفضل و لربما أضرب مثالا لعلي أبلغ معنى ما أقول : إن القرآن الكريم عندما يتكلم عن مفاهيم تتعلق بصفات الإله( و  التي هي بناء فلسفي معقد و صارم ، إذا ما عدنا إلى شروحات علم الكلام لها )  فإنه يبسطها تماما عند خطابه للمؤمنين باختلاف طبقاتهم فهو يقول لهم " و ليس كمثله شيء و هو السميع العليم" ، فالمكتوب بسيط شاعري مؤثر و المقصود فلسفي معقد إذا أردنا التعمق فيه ، و ربما ضربت هذا المثال لأن توظيف القرآن للغة العرب يعتبر أسلوبا مثاليا يجب أن نجعله قدوة في صناعتنا للنص الأدبي العربي إذا ما أردنا أن نحسن من جودة نصوصنا
و إذ أعود لنقدي ل"فيلوفوبيا " فإني أحب أن أتطرق إلى إشكال واجهته أثناء القراءة ، و هو مشكل تقني يتعلق بعناصر الرواية ، فإني في بعض الاحيان - بعضها فقط- لم أستطع التفريق بين الشخصيتين المتحاورتين أو التفريق بين الماضي و المستقبل أثناء الحوار و هذا يعود إلى تقنية ضبط الحوار و حدود الشخصيات الروائية
و ربما أختم انتقادي برأي شخصي او انطباعي ، حبكة "فيلوفوبيا" قوية و ذكية جعلتني أدخل إلى عالم الرواية و أنفصل عن الواقع -الذي كنت أشعر به و أنا أقرأ جزء "أستاذ الفلسفة المحروم " - لذلك فقد كنت أتوقع المستقبل أشد جمالا و انسجاما مما قدم في الرواية ، أعتقد أنه لو قام الكاتب بالتركيز على اثراء هذه الجزئية لكانت الرواية أجمل ، باعتبار أن هذا العالم المتخيل هو إسقاط رمزي لتوجه البشرية في الواقع ، فكلما زاد اتساق المستقبل في الرواية ، كلما تولد المعنى المؤثر في القارئ
و ختاما ، أشيد بتميز الأستاذ خضراوي أحمد ياسين الذي يحاول أن يعطي للرواية الجزائرية -من خلال محاولته المتواضعة طبعا -خطابا ثقافيا واعيا و موجها و منسجما مع تطور الوعي الجمعي في الجزائر و في العالم العربي و في أوساط المثقفين ، فإننا كقراء قد سئمنا من النص العبثي الذي يهتم بالتنميق اللفظي و السردي على حساب المعنى و الذي يسميه ياسين دائما ب"تسليع الأدب" ، و ندعو كل كاتب روائي يسعى لاثراء المعنى أن يهتم أكثر باشكالات العقل العربي لا اشكالات العولمة الغربية ، و بمركزية المعنى لا بتشظيه في ثنايا المسرود السطحي  و هذه رسالة لكل كاتب دون أن ننسى صاحب "فيلوفوبيا" الذي نتمنى له التوفيق في عالم التأليف ، و نتوقع أن يتحسن نصه تدريجيا حتى يصبح من الكتاب العظماء.

-مراجعة عمر بن قويدر-

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات