القائمة الرئيسية

الصفحات

هكذا يراسل الروائي بعطوش عبد القادر أبطال روايته

هكذا يراسل الروائي بعطوش عبد القادر أبطال روايته

#رسائل_إلى_أبطال_روايتي

هؤلاء الحمقى لا يعون أنّ الجنون لم يكن إلا قرارا شجاعا

إليك أيّها المجنون العابد، برسيسا

لا أعلم أين أنت، وكيف هو حالك، وما الذي آلت إليه أوضاعك،وربمّا قد نسيتني، وكنت محض حدث عابر في حياتك، لكنّ لم تكن أبدا حدثا عابرا في حياتي، لذلك أنا أكتب لك...، ولست أكتب لك لأخبرك عني أو لأحادثك، وإنّما لمحادثة نفسي عنك، ولأخبرها عنّي، فإنا نستقرء كثيرا من مشاعرنا الغابرة، وآهاتنا الخامدة، وما فينا  من أصوات مختلفة، من رجال مثلك اختاروا أن يعشيوا بندبة بارزة بدل الندوب الكثيرة المتضاربة، بصوت واحد، بأسًى واحد، بآهة خالدة وإرادة وحيدة...، كانت إرادتك هي الجنون، لم يكن الجنون عبثا وإنّما كان لغاية، والتي هي تمزيق الذاكرة وتبديدها للأبد، تلك الذاكرة التي قيل أنّها تمنع الهزيمة، ولم تكن لتمنع الهزيمة، قبل أن تمنع الإرادة، ولم تكن إرادة مسلوبة إلّا هزيمةً خالدة، فكلّ أولئك الذين لم يهزموا فقط لأنّه لم يملكوا إرادة لخوض نزال ما، كانوا قد هزموا سلفا في فترة ما، وذاكرتهم لم تمنع عنهم هزائما أخرى وإنّما جبلتهم على هزيمة خالدة ...، لذلك لم تكن الهزيمة التي تمنعها الذاكرة يوما خيرا، فما الإنسان دون إرادة؟،أ ليس الأحرى بنا أن نسأل أنفسنا هذا السؤال،بدل أن نقول فما الحياة دون ذاكرة، الحياة دون إرادة حياةٌ لا يؤسف عليها، تموت البهائم وليس مؤسوفا ولا محزونا عليها فقط لأنّها ليس لها إرادة، وكان العبد أقلّ شأنا من سيّده، رغم أنّ  لكلاهما قلبا ودما وذاكرة، وربما كانت ذاكرته أعظم من ذاكرة سيّده، لكنّها الإرادة ..، حطت ذاك ورفعت هذا، وحين يخطئ الإنسان أو يقترف جرما فإنّ إرادته تسلب ويحبس، فإن زاد جرمه سلبت حياته، أ فليست الإرادة قرينة الحياة، وسلبها قرين الهلاك،ولأن حياة ليس إلا حروبا لا يعرف آخرها من أوّلها، دعني أضرب لك بالحرب مثلا...، في الحرب الناس نوعان منهزم وغالب، الغالب مبجل ومنتش لأنّه خلد نصرا، ومغلوب هالك، خلد مأثرة  وثأرا طليق، وكلاهما يُذكر، وربما يذكر الهالك أكثر لأنّه مات في سبيل إرادته، أ وليس جلُّ الأبطال الذين يُخلدهم التاريخ مهزومين هلكوا دون أن يبلغوا الظفر، لكنّهم أبطال فقط لأنّ هلاكهم كان إرادة...

لذلك أنت يا برسيسا مثل أولئك الأبطال الذين يذكرهم التاريخ، تستحق التخليد، بل أكثر من ذلك، لأنّ بوصلت إرادتك صممت لتشير إلى النجاة فقط، أيّها المجنون العابد، إنّ الجنون نجاة...،إنّ الذاكرة هزيمة...

دعني أخبرك ممّا صنعت ذاكرتك، كانت في البداية براءة عظيمة وبياضٌ ناصع، ثم كثير من الصدق الذي أفضى إلى حبٍّ نقي، ولأنّ الحب خلق في السماء، فإذ نزل أصبح أسودا نتنا من عبث أنفاس البشر ولهاثهم، ولأنّ  الكثرة تغلب القلة، فإن العقاب يُنزل بمنزله لا بمدنسيه، فإنّ عقابا كبيرا أنزل عليك، فصنع لك من براءتك أثاما، ومن صدقك أكاذيبا، ومن حبّك كرها، ونزلوا إلى شجاعتك فصنعوا لك منها خطلا، فرأيت في هذه  الذاكرة التي مدلول البراءة فيها إثم، ونهاية الصدق كذب، وجزاء الحبّ الكره، وأصل الشجاعة خطل، ذاكرة شيطانية، قاتلة، تمنع البراءة، والصدق، والحب والشجاعة، وهكذا هي الحياة، ولهذا فإنّها لا تستحق أن نحمل منها أيّ ذكرى...

أنت يا برسيسا، علمت أن ذاكرتك لم تجعل منك إلا نقيض ما كنت، وفي أحسن الأحوال جسدا ميّتا من كلّ شعور و قلبا لا ينبض إلا بخوف، فإنّك قررت تبديد هذه الذاكرة وتلبس الجنون، الذي لا يجعل منك إلّا حبيس حاضر، وإنّ ما من إنسان يكون حبيس حاضره فقط فإنّه لن يبلغه من الهمّ شيء، ولهذا أنت مجنون يا برسيسا، لأنّك عابد عرف أنّ النجاة في الحياة بأمرين، موت وجنون، قدر وإرادة، فاخترت أيّها العابد الإرادة...
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات