القائمة الرئيسية

الصفحات

مراجعة الأستاذ والروائي أحمد رحماني لرواية كلانداستينو

كلانداستينو

صقيع البلقان الحارق

نص سردي من جنس الرواية....

لصاحبه عبد القادر بعطوش

مؤلَّف صادر عن دار "يوتوبيا للنشر والتوزيع".

 

رواية من الحجم المتوسط، عدد صفحاتها مائة وعشرون، تبدو للوهلة الأولى أنها مجموعة من الخواطر ذات خضاب شاعري داكن، يتوه قارئها في غياهب الحكم لها وعليها، أو قد يعدّها ضمن إرسالية المتاهات ومشفَّر الرسائل، هكذا سيعتقد سطحي النظر من خلال محطاتها النصية الاستباقية والإرهاصات المخيالية إليك أمّي وطريقة توديعها اللين السلس، ومناجاة ربان السفينة وهو يشق عباب الحكاية والذي لا أتمثله سوى حامل القلم وهو يبحر فوق عاتي الأمواج ورعونة القدر الذي يحمل روح حيدر في كفِّ الموت مؤديا له واجب التحية العسكرية أن استرح.
تتشكل صورة الأم في مدينة تيارت وملامح سيدي خالد وخيول الرستميين وإشارة تشاو إلى الأرض القريبة من الحياة هناك في الشمال بعد توريث تراب قبر الوالد وتركه وديعة للإخوة ولعتبة الدار.
الجمال قرين الخوف إحساس الذاهب إلى الهيجاء بسلاح الواجب وحماس قهر شياطين الموت بالعزف على الكمنجة عوض الرشاش، وتنتهي رغبة ملاحقة الغربان والعفو عن الانتقام بمد يد الصفح وإطفاء جمرة الكره في بِرْكَة التسامح، فالأب لن يعود فلِمَ العتاب؟ ولِمَ لا التفكير في ركوب البحر أوالتحليق جوا في سرب الملائكة بجناحي الألم والأمل.
وداعا حبيبتي للوقوع في حضن صبيحة كوخن أنثى المنافي ومُرَسْكلة الحلم وإعادة تركيب مفاصله المحطمة وضفر خيوط العضلات المبعثرة والنوم على ذراع الحراشي زمن الانبهار بالمناظر ونفّاثة دخان السيجارة في وجه الوافد إلى إسطنبول الساحرة الآسرة.
صالح الكردي وتجارة تهريب المهاجرين ووساوس الخوف من الطريق وقطاعه بداية من إزمير، فالسبل ومقاربة التزام تعليمات الكمسيون ومغامرة العنابي، ثم التلبس باللهجة السورية وانتحال شخصية السوري المُهجَّر.
حكاية برسيسا وحبه لتلميذته لقب في بلاد الملاجئ بالرسول المجنون واعتبار الجنون أقرب الطرق إلى النجاة، في عراء الغربة يكتشف المرء جبنه حتى وإن كان سيِّد قومه.
أثناء رحلة خيوس وأثينا لا مناص من امتهان شتى الحرف للاحتيال على العوز، السرقة والتهريب والتنجيم والرقية كلها طرق الارتزاقية تؤدي إلى مغالبة الانقراض.
يعيش بطل الرواية بالاعتدال وشيء من الوسطية بين الجميع لكسب ود وثقة الكل، وتواصل مع الذات بذاتية مَنْ يهسُّ بخفوت المونولوج يشق رفقة الحزن الصدر ويمج البوح بالخيانة والاعتراف بالسرقة وعدم تبليغ الوديعة والأمانة في زمن التوكل على النفس ولا شيء غير الفردانية.
مقدونيا وما يكنز نهرها من مخاطر لن يثني الشاب عن الاسمرار بما تبقى له من وجل:"أمي لا تقلقي عني، أنا بخير": سالفي وصورة العَبّارة الكاذب، غير أن فلاشباك واقع العهد الأول والزمن الراهن يدحض حجة الشاب وإذا قال الحقيقة فإنه لم يخفِ أنه أضحى مثل كرة التنس بين المجر وصربيا تتقاذفه الراكات من مربع إلى مربع.
الارتماء والقفز في العربات المقطورة وداخل القاطرات الحاملة للفحم الملتهب تلتهم الأحياء ومعهم الآمال في كرواتيا النهاية، نهاية بحلم وسط حلم تنهش كلاب المطارَدة اللحوم وتغرز أنيابها مثل الرصاصات المطاطية في أفخاذ الصاعدين إلى القمم الجرداء وجبالها العارية متنقلة بين الجراح من ضفة إلى ضفة بسفن الوجع.
تناولتُ النص بملمح قارئ يقدر المُؤَلَّف ويعطيه حق قدره، أُنزِلُ لصاحبه القبعة بانحناءة تقدير، فلا أعتَبِرُني مصطاد غفوة من سِنة ونوم، قرأتُه بإحضار ما أوتيت من وعي وشيء مما اكتسبتُ من نضج.
سلبني عنصر التسريد ومقدرة الروائي على الوصف والتشخيص وتصوير المشاهد وتفصيل جزئياته بدقة ومكتسب كفاءة وملكة الغوص في النفس بتلك الشاعرية والحس المرهف والخيال الواسع.
النص مَرِن للقارئ فيه سلطة التقدير قد ينعته رواية كما يمكن تصنيفه سيرة أو وضعه في خانة أدب الرحلة والروبورطاج.
أبدع الأديب عبد القادر بعطوش في الكثير من الجوانب: تسلسل أحداث، حبكة، نمو..... بأسلوب راق وظف فيه -أعتقد- ثقافته وما قرأ وشاهد وسمع.
يبقى فقط تسجيل مأخذ أقوله بكل تواضع، حذار من التسرع في التحرير الذي أوقع سيادة قلمك في السهو والهفوات الإملائية، اللغة العربية كالصلاة عند السهو تأبى الإعادة والتكرار فترقع بالسجود تحتاج إلى مراجعة ومراجعة ومراجعة لأنها ذات قداسة خاصة.
"فلنسجد لمن قدسها بواسطتها"
-أحمد رحماني-

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات